الشيخ محمد رشيد رضا

5

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فتستديموا معاملتهم السابقة بظاهر اسلامهم ، وهذا غرض آخر وراء غرض الاعراض عنهم لا يهنأ عيشهم بدونه ، ولاحظ لهم من إظهار الاسلام غيره ، ولو كان إسلامهم عن إيمان لكان غرضهم الأول إرضاء اللّه ورسوله كما تقدم في آية ( 62 يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ) الخ وليس لكم أن ترضوا عنهم وهذه حالتهم فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فرضا وقد أعلمكم اللّه بحالهم فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ عن أمره منهم ولا من غيرهم ، فان هذا الفسوق سبب أو علة لسخط اللّه تعالى فالحكم بعدم رضاه متعلق به لا بذواتهم وشخوصهم ، ومقتضاه أنه إذا فرض أن بعض المؤمنين رضي عنهم وآمن لهم باعتذارهم بعد النهي عنه كان فاسقا مثلهم ، محروما من رضائه تعالى ، كما أن من يتوب منهم ويرضي اللّه ورسوله يخرج من حدود سخطه عز وجل ويدخل في حظيرة مرضاته إذ لا يعد بعد ذلك فاسقا . فأحكام اللّه العامة ووعده ووعيده تتعلق بالاعمال والصفات النفسية والبدنية لا بالذوات والأعيان ، ولو قال « فان الله لا يرضى عنهم » لما أفاد التعبير هذه الحقائق والمعاني ، بل كان يكون حكما على أفراد معينين ، مسجلا عليهم الموت على كفرهم وعدم قبول توبة أحد منهم ، وما أبعد هذا عن حكمة اللّه وعن هداية كتابه العزيز ! ولا ينافي هذا التحقيق ما يروى عن ابن عباس من نزول هذه الآيات في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلا امر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم . إذ لا دليل على أن هؤلاء مقصودون من الآيات بذواتهم وشخوصهم كالذين نهى عن الاستغفار لهم وعلله بموتهم على كفرهم ، كعبد اللّه بن أبي ، وقد قال قتادة ان هذه الآيات نزلت فيه ، فإنه حلف للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد عودته ان لا يتخلف عنه وطلب ان يرضى عنه فلم يفعل . والآيات أعم من هذا وذاك . وهي من أنباء الغيب بما فيها من بيان مقاصدهم الخفية ، وان كان الاعتذار والحلف من سجاياهم المعروفة . وأن من علامات النفاق كثرة الحلف ، لشعور المنافق دائما بأنه متهم بالكذب